سيد محمد طنطاوي

385

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( والشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) * معطوف على الرؤيا . أي : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس . والمراد بالشجرة الملعونة هنا : شجرة الزقوم ، المذكورة في قوله - تعالى - : أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ . إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ . إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ، طَلْعُها كَأَنَّه رُؤُسُ الشَّياطِينِ « 1 » . والمراد بلعنها : لعن الآكلين منها وهم المشركون ، أو هي ملعونة لأنها تخرج في أصل الجحيم . أو هي ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار ، والعرب تقول لكل طعام ضار : إنه ملعون . قال الآلوسي : وروى في جعلها فتنة لهم : أنه لما نزل في شأنها في سورة الصافات وغيرها ما نزل ، قال أبو جهل وغيره : هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يقول ينبت فيها الشجر . وما نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد ، ثم أمر جارية له فأحضرت تمرا وزبدا ، وقال لأصحابه : تزقموا . وافتتن بهذه الآية أيضا بعض الضعفاء ، ولقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا . . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( ونُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً ) * تذييل قصد به بيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جحود ، وقسوة قلب . . . أي : ونخوف هؤلاء المشركين بعذاب الدنيا ، وبعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم التي طلعها كأنه رؤس الشياطين . . . فما يزيدهم هذا التخويف والتهديد إلا طغيانا متجاوزا في ضخامته وكبره كل حد ، وكل عقل سليم . وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع الدالة على الاستقبال ، مع أن تخويفهم وازدياد طغيانهم قد وقعا ، للإشعار بالتجدد والاستمرار . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت من سنن اللَّه - تعالى - في خلقه ، ومن فضله على هذه الأمة ، ومن تبشيره وإنذاره ، ووعده ووعيده ، ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، وما يصرف الطاغين عن طغيانهم لو كانوا يعقلون .

--> ( 1 ) سورة الصافات الآيات 61 - 65 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 106 .